• الموقع : سماحة السيد جعفر مرتضى العاملي .
        • القسم الرئيسي : النتاجات العلمية والفكرية .
              • القسم الفرعي : تقريظات ومقدمات كتب .
                    • الموضوع : التاريخ والمؤرخون .

التاريخ والمؤرخون

مقدمة لكتاب: حركة التاريخ عند الإمام علي(ع)

تأليف: سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين(رحمه الله)


بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين، محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، إلى قيام يوم الدين.

وبعد...

فإنه إذا كان الهدف من دراسة التاريخ هو مجرد اجترار الأحداث، أو لتكون محض ترف فكري، ونشوة خاوية. فإن قصارى جهد دراسة كهذه سيكون: هو أن يتمطى الفكر في قيوده وأغلاله – في بسمة حلم عارضة. ثم لا يلبث أن يعود ليدفن نفسه تحت ركام من الأحلام في مطاوي الفراغ، والخنوع، ثم النسيان.

وإنما تصبح دراسة التاريخ، وفلسفته، وآثاره، ذات قيمة، وفاعلية، وجدوى. حينما يراد لها أن تتحول، لتكو عبء، مسؤولية، وبداية حركة، ونبضات حياة.

وبديهي أنه من أجل أن تكون ذلك. لابد من أن تصبح قادرة على أن تعكس الواقع التاريخي، كما هو، ومن دون أي زيادة أو نقصان، وكذلك من دون أي تزوير أو تحوير.

ومعنى ذلك: هو أن على هذه الدراسة لكي تكون على مستوى من الدقة والأمانة، أن تتحرى أسلوب المحاكمة النزيهة والموضوعية للأحداث، والوقائع، أو فقل لما يدعى أنه منها. وأن تعتمد الأصول العلمية الصحيحة في بحوثها، وكذلك في مجال التحليل، والاستنتاج والتقييم.

وإذا كنا نعلم: أن أوثق من يمكن الاعتماد عليهم في إعطاء صورة واقعية وواضحة عن أي حدث كان، وعن علله وأسبابه، هم أولئك الذين عاصرون وعايشوه، وعاينوه عن قرب.

فإننا نجد: أنه حتى هؤلاء، بل وحتى كثير من الذين شاركوا في صنع ذلك الحدث لا يستطيعون: أن يقدموا صورة واضحة المعالم عن ذلك الحدث المفترض، ولا عن علله وأسبابه، وآثاره ونتائجه، بل قد نجدهم يعطون تفسيرات مختلفة، بل وحتى متباينة أحياناً، رغم افتراضنا مسبقاً: أنهم جميعاً صادقون في رغبتهم بإعطاء الحقيقة كل الحقيقة في هذا المجال.

وما ذلك إلا لأن الناس يختلفون في مستويات إدراكهم ووعيهمه وفي نسبة إطلاعهم على جزئيات وظروف ذلك الحدث، الأمر الذي يؤثر على قدرتهم على فهمه واستيعابه أحياناً، ثم على ربطه بغيره، فضلاً عن إدراك علله وأسبابه، ثم آثاره ونتائجه على النحو الأفضل والأتم.

كل ذلك فيما لو كان الحدث عادياً، لا يوجد من يهتم بالتلاعب فيه، أو بالتعتيم عليه. فكيف إذن.. تكون الحال بالنسبة لتلك الأحداث، التي تشارك في صنعها أيد خفية، وتعمل على تزييف أو التعتيم على كثير من الحقائق، ثم على التحوير والتزوير فيها، وفي خصوصياتها وملامحها.

وإذا كانت الأحداث التي دونت ووصلت إلينا أكثرها أو كثير منها ولاسيما أكثرها حساسية، وأعظمها أهمية هي من هذا النوع بالذات.

فإننا ندرك: مدى حاجتنا إلى الناقل الخبير، والناقد البصير في هذا المجال، كما أننا ندرك مدى أهمية وتأثير الوسائل التي لابد لنا من الاستفادة منها في الوصول إلى الحقائق، التي أريد لسبب أو لآخر إحاطتها بستار من الكتمان. أو بقاؤها رهن الإبهام والغموض.

وبعد كل ما تقدم..

فإننا إذا كنا نعلم: أننا كلما قربنا من مصدر الوحي والرسالة، والإمامة، والعصمة، فإننا نكون أبعد عن المغالاة والتجني، وعن الوقوع فريسة للخداع والتضليل، لأن هذا هو المصدر الوحيد، الذي لا يعتريه خلل في الرؤية للواقع الموضوعي، ولا نقص في إدراكاته، لحقيقة ما يجري، ولا مجال للحيلولة بينه وبين الواقع، وإطلاعه عليه كما هو، ومن دون أي تحوير أو تزوير.

إذا كنا نعلم ذلك – فإن النّهل من هذا النمير العذب، والاستقاء من هذا المنبع الصافي، والاعتماد عليه في التعرف على الاحداث والوقائع، وكل ما يرتبط به أو يعود إليها، يصبح أكثر أهمية وخطراً، وأعظم بركة وأثراً.

حتى إذا تعذر علينا التعرف على نفس الحدث عن هذا الطريق. فلا أقل من امتلاك الرؤية، ثم اعتماد المعايير والأسس، وبعد ذلك الوسائل والأساليب الصحيحة التي يرى أهل بيت العصمة، والإمامة، ومعدن الوحي والرسالة، أنها تنفع في الوصول إلى ذلك الهدف المنشود، في مجال التقييم الصحيح والسليم للأحداث، ومحاكمتها، ثم قبولها أو رفضها، إذا اقتضى الأمر أياً من الرفض، أو القبول.

أو على الأقل تقل معها احتمالات الخطأ والزيغ، والوقوع في متاهات التفسيرات، والتكهنات الخاطئة والناقصة، التي يتعرض لها الباحثون في التراث بصورة عامة.

ومؤسسة نهج البلاغة.. قد وجدت في هذا الكتاب: "حركة التاريخ عند الإمام علي عليه السلام" الذي هو تأليف سماحة العلامة الجليل البحاثة الشيخ محمد مهدي شمس الدين خطوة واسعة وموفقة في هذا الاتجاه.

ولأجل ذلك: فقد بادرت لتقديمه إلى القراء الكرام، على أمل أن يجدوا فيه ما ينقع الغلة، ويبل الصدى.

ونسأل الله أن ينفع به، ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وهو الموفق والمسدد، وهو المعين والهادي.

قم المقدسة: 17 ربيع الثاني 1405 ﻫ.ق 19 بهمن 1363 ﻫ.ش

جعفر مرتضى العاملي


  • المصدر : http://www.al-ameli.com/edara/subject.php?id=274
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2014 / 04 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 10 / 18